أحمد بن يحيى العمري
35
مسالك الأبصار في ممالك الأمصار
قل للمنازل بالظّهران قد حانا * أن تنطقي فتبيني اليوم تبيانا « 1 » قال جرير : ما رئي يوم أحسن منه « 2 » ، وما بلغني أن أحدا تشاغل عن غنائه بشيء ، ولا انصرف أحد لقضاء حاجة ولا لغير ذلك حتى فرغ ، ولقد تبادر الناس من المدينة [ ص 6 ] وما حولها حيث بلغهم الخبر لاستماع غنائه ، فما يقال إنه رئي جمع في ذلك الموضع مثل ذلك اليوم « 3 » ، ولقد رفع الناس أصواتهم : أحسنت والله ، أحسنت والله ، ثم انصرفوا حوله يزفونه إلى المدينة . قال علي بن الجهم « 4 » : حدثني رجل أن ابن عائشة كان واقفا بالموسم متحيرا ، فمر رجل من بعض أصحابه ، فقال له : ما يقيمك هاهنا ؟ قال : إني أعرف رجلا لو تكلم لحبس الناس ، فقال له الرجل ، ومن ذاك ؟ قال : أنا ، ثم اندفع يغني : « 5 » [ الوافر ] جرت سنحا فقلت لها أجيزي * نوى مشمولة فمتى اللّقاء قال : فحبس الناس ، واضطربت المحامل ، ومدت الإبل أعناقها ، وكادت الفتنة أن تقع ، فأتي به هشام « 6 » ، فقال : يا عدو الله أردت أن تفتن الناس ، فأمسك
--> ( 1 ) الظهران : واد قرب مكة وعنده قرية يقال لها مرّ ، تضاف إلى هذا الوادي فيقال : مرّ الظهران ( ياقوت 4 / 63 ) ( 2 ) في الأصل : ( ما رئي يوما أحسن ) والوجه رفع ( يوم ) لأنه نائب فاعل . ( 3 ) كذا في الأصل ، وكأن المراد : « فكان يقال إنه ما رئي جمع في ذلك الموضع مثل ذلك اليوم » [ المراجع ] . ( 4 ) علي بن الجهم بن بدر من بني سامة بن لؤي بن غالب ، شاعر رقيق الشعر أديب من أهل بغداد ، كان معاصرا لأبي تمام ، وخصّ بالمتوكل العباسي ، ثم غضب عليه المتوكل فنفاه إلى خراسان ، توفي سنة 249 ه . ( 5 ) البيت لزهير بن أبي سلمى في ديوانه ص 59 من قصيدة أولها : عفا من آل فاطمة الجواء * فيمن فالقوادم فالحساء سنحا : السانح ما والاك ميامنة ، والبارح : ما والاك مشائمة ، أجيزي : انفذي ، مشمولة : سريعة الانكشاف . ( 6 ) هشام : هو هشام بن عبد الملك من خلفاء الأمويين ، بويع بالخلافة سنة 105 ه وخرج عليه زيد بن علي بن الحسين فقاتله ففلّ جمعه وقتل زيد ، توفي هشام ستة 125 ه .